الراغب الأصفهاني

410

الذريعة إلى مكارم الشريعة

وارتقاء البخيل إليه صعب ، ولأن المبذر قد ينفع غيره وإن أضر بنفسة ، والمقتر لا ينفع غيره ولا نفسه . على أن التبذير في الحقيقة هو من وجه أقبح ، إذ لا إسراف إلا وبجانبه حق مضيع ، ولأن التبذير يؤدي بصاحبه إلى أن يظلم غيره ، ولهذا قيل الشحيح أعذر من الظالم ، لأنه جاهل بقدر المال الذي هو سبب استبقاء النفس ، والجهل رأس كل شر ، والمتلاف ( المبذر ) ظالم من وجهين : لأخذه من غير موضعه ، ووضعه في غير موضعه . ولكثرة مذام الإسراف ذمه اللّه تعالى أعظم مما ذم به البخل فقال : وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ « 1 » الآية ، وقال : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً « 2 » ، ملوما من جهة من سألك فلم تجد ما تعطيه ، وحسيرا عن بلوغ مرادك وبهذا ألم المتنبي فقال : فلا ينحلل في المجد مالك كله * فينحل مجد كان بالمال عقده فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله * ولا مال في الدنيا لمن قل مجده وليس الإسراف متعلقا بالمال فقط ، بل بكل شيء وضع في غير موضعه اللائق به ، ألا ترى أن اللّه تعالى وصف قوم لوط بالإسراف لوضعهم البذر في غير المحرث ، فقال : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ « 3 » .

--> ( 1 ) الإسراء / 27 . ( 2 ) الإسراء / 29 . ( 3 ) الأعراف / 81 .